الكاهن يؤلف للمسرح (من كتاب”دراسات في الأدب المسرحي”)

https://modawanacom.wordpress.com/2017/04/10/الكاهن يؤلف للمسرح (من كتاب دراسات في الأدب المسرحي)

– كتاب “دراسات في الأدب المسرحي“،
– المؤلف دكتور سمير سرحان،
– الناشر مكتبة غريب،
– تاريخ النشر الأصلي 1980.

(فصل: الكاهن يؤلف للمسرح)
– ص 7 ، 8.

     عرف الانسان البدائي الدراما في أبسط صورها عندما كان يلعب لعبته المفضلة وهي محاكاة الطبيعة، تساعده في ذلك قدرته على الحركة وتقليد الأصوات وموهبة الخيال التي يتميز بها عن سائر الحيوانات، وكان يستعين بهذه اللعبة .. المحاكاة .. على فهم الطبيعة والبيئة من حوله، ولأنه كان في صراع مرير مع القوى الطبيعية من أجل الحصول على ضرورات حياته من مأكل ومأوى فقد كان يوجه قدرته الفائقة على المحاكاة نحو هدف عملي دائما، فالذي يحاكي الصائد أو المحارب كان في الحقيقة يدرب نفسه على أن يكون في المستقبل صائدا ماهرا أو محاربا قديرا وقد صبغ هذا النضال من أجل الحياة والبقاء الانسان البدائي بصبغة عملية. فكان يصنع آنية الفخار مثلا في أول الأمر لكي يستخدمها في حاجاته العملية، ولكنه أصبح بعد ذلك يميل إلى تلوينها وتزيينها .. أي أنه أعطاها مع مرور الزمن لمسة الفن.

     وكان الانسان البدائي .. مثله مثل الطفل .. يعيش على رغباته التي تشكل الدافع الأول لحياته. وتسير إرادته، ويظن .. مثله مثل الطفل أيضا .. أنه يستطيع ببساطة تحقيق هذه الرغبات بمجرد التفكير فيها .. ولأنه لم يكن يستطيع أن يعبر عن أفكاره في وضوح كاف فقد كان يلجأ إلى الحركة والمحاكاة. وسرعان ما تعلم أن يعبر عن رغباته بالرقص والتمثيل الصامت.

     ومن هنا نشأت الطقوس والشعائر التي كان يقيمها لقوى الطبيعة المختلفة بصفتها القوى المسيطرة على حياته، والتي في يدها تحقيق هذه الرغبات، ومن هنا أيضا رقص الانسان البدائي لهذه القوى ليعبر عما يطلبه منها، وقلد حركاتها وأصواتها لكي يتوافق معها. وشيئا فشيئا بدأ يربط بين هذه القوى الطبيعية والعوامل المحركة لحياته أو بقائه على الأرض، فربط مثلا بين فصل الأمطار والطعام أو بين نور الشمس الساطع والدفء الذي يبعث في أوصاله دفء الحياة .. وفضلا عن ذلك نشأ في هذه المرحلة ذلك الشخص الذي يجمع صفات الكاهن والعالم والمنظم الاجتماعي في وقت واحد .. وهو همزة الوصل بين القبيلة أو المجموعة وبين هذه القوى الطبيعية .. كان هذا الشخص هو الذي يقود حركات المجموعة الراقصة أو حركاتهم التمثيلية الصامتة ويصممها في البداية لأن تنفيذها أصبح يحتاج إلى عقلية منظمة بعد أن بدأت الشعائر تأخذ شكلا رمزيا أكثر تعقيدا من ذي قبل. وبطبيعة الحال، أصبح مثل هذا الشخص يتمتع أكثر من غيره بموهبة الخلق .. فهو يخلق الأدوات والمناظر اللازمة للتنفيذ على بساطتها – فضلا عن التصميم الأول للرقصة أو الحركات الصامتة «مايم».

     وشيئا فشيئا أخذ هذا الشخص صورة الكاهن يعلم الناس أول مبادئ الشعائر للصلاة عن طريق الرقص لكي يحث الآلهة – التي تمثل قوى الطبيعة المختلفة – على خدمة الانسان.  وكذلك كان هذا الكاهن شاعرا بما أوتي من طاقة إبداعية تخيلية تجعله يلبس قوى الطبيعة لباس الأشخاص الأحياء ويعطيها صفات إنسانية أو يصورها على أنها أرواح.

(المحور التالي من نفس الفصل: الكاتب المسرحي والأشباح)